بقلم ا. د محمد فخرى مكى
أستاذ تكنولوجيا المعلومات
كلية التجارة – جامعة الزقازيق
 
 
 
” إذا كانت الثورة مشروعا للإصلاح هى بمثابة برؤمثيوس سارق النار لصالح البشر في الأساطير الإغريقية ؛ فإن المطالب الفئوية ينبغي ألا تتحول إلى صندوق باندورا الذي أرسله معها زيوس كبير الأغريق ، وأوصاها بعدم محاولة فتحه وهو يعلم مقدما عدم القدرة على مقاومة اغراءات فتحه لتندفع منه كل الشرور والآثام انتقاما من سارقي النار . “
 
ربما لا أستطيع، – وبالتأكيد لا أرغب – في حصر التكلفة الإقتصادية للأحداث الأخيرة . والاجتهادات المتاحة حاليا في هذا الصدد تقل كثيرا عن المستوى الفعلي : إما بسبب عدم احاطتها بكافة الجوانب ، أوبسبب تجاهلها للآثار غير المباشرة والتي تبلغ عدة أضعاف الآثار المباشرة ، و تشير إلى الترابط العضوي والاعتماد المتبادل فيما بين أنشطة الاقتصاد القومي . فالتراجع في الطلب على الأنشطة السياحية مثلا لابد وأن يتبعه تراجع الطلب في الأنشطة المغذية لها وهذه بدورها تخضع لنفس التحليل وهكذا في جولات متتالية … ومن ناحية أخري فإن هذه التقديرات لا تضم جولات التراجع المحتمل في توقعات النشاط الاقتصادي والاستثمارات المحلية والأجنبية القادمة Exante
2.1 تدور موجات المطالب الإقتصادية المتلاحقة حالياً بصفة عامة حول:
  1. Ø رفع مستويات الأجور.
  2. Ø خفض الأسعار و أعباء المعيشة.
  3. Ø خلق فرص العمل للشباب.
 
3.1 وإذا كانت الإستجابة لمطالب الإصلاح السياسي تعد مجرد إختيار لأفضل البدائل الممكنة تقريبا بلا تضحيات أو أعباء على المجتمع، فإن المردود الإيجابي للمطالب اإقتصادية له العديد من البدائل بدوال تكلفة متباينة مباشرة وغير مباشرة سواء في المدى القصير أو البعيد . وينبغي المفاضلة بين هذه البدائل على ضوء تقييم دقيق و شامل لمنافع / تكلفة كل بديل . فعلى سبيل المثال:
·رفع مستوى الأجور في الجهاز الحكومي لابد و أن يؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي و من ثم تفاقم عجز الموازنة. أما زيادة الأجور في قطاع الأعمال العام أو الخاص فهى تؤدي إلى زيادة التكلفة التي يتحتم تغطيتها بزيادة الأسعار بجانب إضعاف المقدرة التنافسية للإقتصاد القومي. و يلاحظ أنه ينبغي دائما ربط الزيادة في الأجور بالزيادة في الإنتاجية و ذلك لتجنب تأثيرها على الأسعار. و الموجة الأولية لزيادة الأجور لا تؤدي فقط إلى زيادة مماثلة في الأسعار، بل وإلى عدة جولات غير مباشرة في الدائرة الخبيثة للأجور / الأسعار.
·خفض الأسعار يمكن أن يتم من خلال: التقدم التكنولوجي / زيادة الإنتاجية / برامج خفض التكلفة / أو الدعم الحكومي. والحل الأخير هو الأسرع إلا أنه يؤدي بطبيعة الحال إلى تفاقم عجز الموازنة، أيضا بآثار إجمالية مباشرة و غير مباشرة تفوق حجم الدعم بمراحل.
· التعيين الفوري للعمال في الوظائف الحكومية أو القطاع العام يعود بنا إلى ظاهرة البطالة المقنعة أو خلق الوظائف الوهمية بكل آثارها السلبية على بيئة الإنتاج التي ما زلنا نعاني من تراكمها على مدى العقود السابقة.
· تمويل عجز الموازنة المتفاقم إما أن يتم بشكل تضخمي من خلال طبع المزيد من النقود، مما يؤدي إلى تحريك لولب الأجور / الأسعار في جولات حلزونية كما أشرنا؛ أو من خلال الإستدانة و ترحيل العجز مضافا إليه تكلفة تمويله لفترات مقبلة.
4.1 والمطالب الإقتصادية المشار إليها لا تعد بحال مشروعا متكاملا للإصلاح الإقتصادي أو التنمية المستدامة والتي ينبغي أن تكون بانورامية وبعيدة المدى . وهى بهذا المعنى تتسع لتضم المستوى المنشود في كافة القطاعات والأقاليم وفئات المجتمع وأيضا علاقات الاعتماد المتبادل فيما بينها ، بجانب وسائل تحقيق هذه المستويات ، ومراحل البرنامج الزمني اللازم للتنفيذ .
 
و لكن المهم الآن ماذا بعد؟
 
 
 
[II]
1.2 يحتاج مشروع الاصلاح الاقتصادي بداءة دراسة تقدير موقف SWOT شاملة تضم عناصر القوة / و الضعف / و الفرص الاستثمارية / و تهديدات المنافسة الدولية:
·و تتمثل عناصر قوة الإقتصاد المصري فى:
§ حجم سوق على قدر كاف من الإتساع و التنوع لقيام العديد من المشروعات والصناعات المتكاملة (يقاس حجم السوق عادة بالبعد الديموجرافي مرجحاً بمتوسط الدخل الفردي القابل للتصرف فيه)
§ موارد بشرية تقوم أيضا على البعد الديموجرافي بجانب التأهيل المتنوع الذي يستند إلى برامج مستقرة للتعليم و التدريب المهني … و يكون من المفيد تبني مشروعات التطوير و التحديث المستمر في هذا المجال.
§ بنية تحتية من مرافق عامة و مشروعات و قواعد خبرة و معرفة و تشريعات و لوائح…
§ البعد التمويلي من السيولة المحلية المتاحة، أو ما يمكن إجتذابه من السيولة الدولية.
·أما نواحي الضعف في الإقتصاد المصري فيجب تشخيص أبعادها الفعلية حتى يمكن تطويقها بفاعلية و أحكام. و هى يمكن أن تدور حول البطالة / الطاقات غير المستغلة / فائض السيولة / قصور بعض جوانب البنية التحتية…
·الفرص الإستثمارية: و يمكن تحريها من خلال مسح و إكتشاف الموارد الطبيعية / إستغلال و تسويق الموقع الجغرافي و السياحي / إستثمار الموارد البشرية…
·تهديدات المنافسة الدولية: إنخفاض أسعار الواردات خاصة من دول جنوب شرق آسيا / الإستثمارات المصرية في الخارج …
 
2.2 و دراسة تقدير الموقف الشاملة يمكن أن تعد منطلقا لمشروع الإصلاح الإقتصادي الذي يمكن صياغة وثائقه في شكل قائمة للرؤى و أخرى للمهام. و تنطوي الرؤى على صياغة كمية لدوال أهداف المجتمع التي تشير إلى المستوى المنشود لجودة الحياة لكافة الفئات و الأقاليم… وأيضاً عدالة التوزيع والتي لا يمكن أن تكون مطلقة بل سمح فيها بالتباين وفقاً للكفاءة وعوائد الملكية الصحيحة ودون غبن أواستغلال .
3.2 كما تضم نفس الوثيقة كافة الإستراتيجيات بعيدة المدى ( مثل التسويق الداخلي والخارجي / التكنولوجيا / الموارد البشرية / التمويل الداخلي والخارجي … ) و التي تلزم لترجمة و تقريب دوال الأهداف المجردة للتطبيق . ويمكن أن يتم اعداد هذه الوثيقة من خلال تلقي مقترحات القطاعات والأقاليم بعد مراجعتها وتحديثها مع المستويات العالمية المتقدمة لنفس القطاعات .
أما قائمة المهام فينبغى أن ترتبط ارتباطاً عضوياً بقائمة الرؤى . و تمثل المهام كافة الأنشطة الرئيسية و الداعمة في الأجل القصير و المتوسط و التي تلزم للتعامل مع الواقع اليومي؛ وبدونها تصبح الرؤى مجرد أحلام يقظة .
4.2 يمكن أن يعهد إلى وزارة التنمية بطرح وثيقة الرؤى للحوار القومي الهادئ و الموضوعي على ما يعرف بمستودعات الفكر Think Tank في المجتمع ( المجالس التشريعية / المجالس المحلية / الأحزاب السياسية / النقابات المهنية و العمالية / المجالس التنفيذية للوزراء و المحافظين / الجامعات و مراكز البحوث / الجهات الرقابية / شباب الفيس بوك… ) . و يمكن أن يتم هذا الطرح على مراحل على غرار طريقة Delphi:
·طرح أولي لقائمة تجريبية للرؤى على أن تكون بانورامية و بعيدة المدى لمشروع الإصلاح الاقتصادي.
·عرض نتائج الاستجابة للطرح الأولي من نقاط الإتفاق و الإختلاف في جولات تالية بهدف تضييق أوجه الخلاف و تعظيم أوجه الاتفاق . و تمكننا هذه المشاركة التفاعلية من حشد التأييد اللازم لتنفيذ رؤى و مهام الإصلاح الإقتصادي.
 
5.2 خلاصة القول أنه إذا كنا نسلم بضرورة ملاحقة الفساد بل وتجفيف منابعه ، وأن بعض المطالب الإقتصادية تبدو بالفعل ملحة ، فإن التمادي فيها يجر إلى موجات غير منتاهية من هذه المطالب و إلى التعويق و الخلل في عملية الإصلاح الإقتصادي. و يحتاج مشروع الإصلاح الإقتصادي في المقام الأول إلى تهيئة بيئة مواتية تماما ؛ حيث أنه في النهاية محتوى إيجابي متكامل يتجاوز بمراحل مجرد محاربة الفساد أو رحيل بعض المسئولين.